Monday, June 29, 2009

أبعد من منع جاد المالح

ثمة مستويان لقراءة الحملة التي شنّها حزب الله على دعوة مهرجانات بيت الدين للفنان جاد المالح، والتي نجحت في منعه من القدوم الى لبنان والمشاركة في أمسيات كانت بطاقاتها قد نفذت.
- المستوى الأول يرتبط بمعنى المنع عبر الإرهاب المعنوي وحملات التشهير والشتم وتشويه السمعة وغيرها من الأمور التي صار لحزب الله باع طويل فيها، يعتمد أساليبها ضد خصومه أفراداً وجماعات، إن بالمباشر أو بواسطة "الحلفاء". وهي جميعها تأتي من باب التصنيف للناس والرقابة التي يسمح لنفسه باعتمادها مقرّراً حدود المسموح به أو الممكن قوله وفعله في بلد يريد "الدفاع عن أرضه وعن قيمه وعن الحشمة فيه" (على ما ورد في برنامجه الانتخابي)...
قد يقال إن الاتهامات والسعي للرقابة وللمنع لا تقتصر عليه، وتعتمدها في لبنان المؤسسات الدينية كما يحاول اللجوء إليها العديد من القوى السياسية. وهذا صحيح ومُدان وينبغي التصدي له في كل الحالات، ومن دون استثناءات. لكن الحال الحزب إلهية تبقى خاصة. فالحزب يذكّرنا كل ما جهد للمنع أو التخوين أو الابتزاز أنه يقع عند تقاطع خطير يعطف الدين على السياسة والإعلام على السلاح، ويقدّم مشهداً شمولياً يميّزه عن سائر الحالات. وهو يتخطّى بالتالي حدود أي فعل حزبي سياسي أو ديني وعظي، ليتحوّل الى مزيج من السلطات الأمنية والقضائية ذات الصلاحية الرقابية والقمعية المتفوّقة على القانون والمهمّشة له.

- المستوى الثاني مرتبط بمضمون الحملة نفسها. فجاد المالح فرنسي مغربي يهودي، ولا يعرف أكثر متابعيه – وكاتب هذه السطور أحدهم - أهواءه السياسية، وهي أساساً لا تعنيهم. كل ما يعرفونه عنه يتمحور حول ظرفه وقوة أدائه وقدرته الفائقة على التعبير في "سكيتشاته" عن بعض جوانب العقلية المغاربية وعن المفارقات المسلكية بين عرب مهاجرين وفرنسيين يعيش بينهم، في لهجات لا يتصنّعها بل هي لجهاته، أو حتى عن مسرحته المتقنة لنماذج كاريكاتورية يعرفها في البيئة اليهودية الفرنسية تتباهى بأملاكها وأموالها وعلاقاتها. وهو في معظم ما يقدّمه ينجح في إضحاك جمهور من مختلف الخلفيات والجنسيات، وفي جعل مشاهديه يتذكّرون بمتعة لحظات وأوضاع عاشوها أو شهدوها أو يدركون تماماً حدوثها في محيطهم...
ربما يكون لجاد المالح في قرارة نفسه "موقف" من إسرائيل، شأنه شأن الكثير من الفنانين في العالم. والموقف إن كان متعاطفاً فهو مدعاة أسف وتفكّر عميق بأسبابه وبجوانب عدة من المسؤوليات عنه، لمواجهته ولتغييره. لكن المالح لم يقدّم عملاً واحداً فيه إشارة الى الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يُعرف عنه موقف أو تُسمع له مقولات تشير الى آراء سياسية متماسكة تستوجب ردوداً. هو كوميدي فحسب، ولا حاجة لمساجلته في شؤون لا يفقه فيها ولا يتدخّل في تعقيداتها، وهي أساساً شؤون تتطلّب منا مقاربة ثقافية وسياسية وإعلامية ليست العنصرية الدينية ولا الخطاب التخويني ولا مشهديات العنف مكوّنات لها...
قلنا في مقال سابق إن الثقافة تأتي قبل السياسة في المعركة الدائرة في لبنان. وها هو القمع من بابه "الثقافي" يعيد تذكيرنا اليوم بأن الحرية السياسية لا تستقيم من دون حريات ثقافية وإبداعية فردية وجماعية.
ما جرى في موضوع جاد المالح خطير. ليس لأن مهرجانات بيت الدين مهدّدة في خياراتها الفنية الرائدة التي أمّنت تواصلاً لبنانياً مع العالم (وعالمياً مع لبنان) في أحلك الظروف. بل لأن الرقابة إن انتصرت مرة، تنفتح شهيّتها على المزيد من الانتصارات. وينبغي بالتالي مقاومتها ومنع انتصاريتها من الاستشراء.
زياد ماجد

Tuesday, June 23, 2009

إيران: ثمّة أمور تتغيّر

لا يدّعي هذا النص تقديم قراءة متماسكة للحدث الإيراني بقدر ما هو يحاول عرض مجموعة عناصر يحتويها مشهد الغضب الشعبي والصدام السياسي أو هو يؤشّر لبروزها داخل الجمهورية الاسلامية.
- العنصر الأول، مفاده أن الانتفاضة التي فجّرتها الانتخابات هي أبعد من كونها ردّاً على أي تزوير حصل، وهي تعبير عن غضب أناس (نصفهم وُلد بعد العام 1979) طفح كيلهم من كبت الحرّيات ومن تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ومن تردّي مستوى الخطاب والممارسة السياسيّين، ومن احتمال استمرار عيشهم تحت كابوس "الحكم النجادي" لأربع سنوات جديدة.
وذلك لا ينفي بأي حال كون الانتفاضة قد بدأت نتيجة التزوير الفظّ والمستفزّ الذي تخطّى حدود التلاعب بصناديق أو تعديل نتائج دوائر ليتحوّل (بحسب أحد أعضاء "مجلس صيانة الدستور") الى "إضافة" 3 ملايين صوت على عدد الناخبين الإجمالي في 50 مدينة، أو الى "تبديل" مزاج 49 في المئة ممّن كانوا يصوّتون للإصلاحيين في الماضي (في دورتي رئاسة محمد خاتمي وحتى في دورة 2005) و"تحوّلهم" هذه المرة الى نجاد، أو الى نيل الأخير "أصوات 100 في المئة" ممّن يصوّتون للمرة الأولى في العديد من المناطق، أو الى "فوز" نجاد بأكثرية أصوات الأذريين واللور في حين أن هؤلاء لم يصوّتوا مرة في الاستحقاقات الأخيرة لصالح المحافظين، علماً أن مير حسين موسوي الأذري ومهدي كرّوبي اللوري كانا يتقدمان بفارق كبير في استطلاعات الرأي بينهم، أو حتى الى "فوز" نجاد في طهران نفسها وهي من أكثر المدن اعتراضاً على سياساته وخطاباته في السنوات الماضية وصوّتت ضد اللائحة المدعومة من قبله في الانتخابات البلدية أواخر العام 2006!

- العنصر الثاني، أن الأزمة اليوم ذات وجهين: واحد يعبّر عنه الشارع في حراكه ومواجهته السلطة الامنية والسياسية، والثاني يجسّده الصدام داخل "الاستابليشمانت" بين قادة محافظين وآخرين إصلاحيين، لا يستطيع أحد منهم التشكيك بمشروعية انتماء خصومه الى "الثورة الإسلامية"، لا بل يمكن للإصلاحيين المزايدة قرباً شخصياً الى قائد الثورة الخميني، وجزء منهم كان من المحيطين به طيلة الثمانينات. وهذا يعني أن الأزمة ولو خمدت لفترة، تبقى قائمة داخل النظام نفسه، ووسط قيادات الصف الأول فيه. ذلك أن المعسكر الإصلاحي، على تنوّع مكوّناته، ليس مرتبطاً بشارع خارج المؤسسات الرسمية فحسب، بل هو يحشد رئيساً سابقاً (خاتمي) ورئيس وزراء مرشّحاً للرئاسة (مير حسين موسوي الذي تولّى رئاسة الحكومة في سنوات الحرب مع العراق) ووزراء ووجوهاً بارزة منذ الثمانينات (مهدي كروبي ومحتشمي وغيرهما)، إضافة الى أحد مهندسي النظام وتوازناته لأكثر من عقدين، هاشمي رفسنجاني، النافذ حتى في بعض الأوساط المحافظة والمدعوم من أكثرية أعضاء مجلس الخبراء الذي يرأس، وهو الهيئة القادرة على عزل المرشد الأعلى للجمهورية.



- العنصر الثالث، وهنا ربما أخطر الأمور وأهمّها، أن ولاية الفقيه عادت الى واجهة النقاش بعد أن كانت صفحة الاعتراض عليها وعلى صيغتها بعد وفاة الخميني قد "طُويت"، ووُضع منتظري أبرز المعترضين على تولّي السيد الخامنئي لها قيد الإقامة الجبرية. هذا يعني، وبمعزل عمّا ستؤول إليه الأيام المقبلة، أن موقع الخامنئي كمرشد أعلى للثورة ودوره صارا موضع مساءلة ولم يعد القادة السياسيون يخشون التشكيك بشرعيّتهما. ولعلّ تصريح موسوي حول العدالة كشرط للحكم الصالح وحول الدستور وحق الإيرانيين في التظاهر والتعبير عن رأيهم، وحول رفض الكذب والخداع، وحول حماية قيم الجمهورية وعدم التعرّض لها بحجّة قيم الثورة الإسلامية، تشكّل رداً على خطبة الخامنئي الذي تحوّل الى لاعب سياسي يدعم طرفاً ضد آخر، وفقد الى حد بعيد "مقامه" الترجيحي أو التحكيمي أو المرجعي.
وإن عطفنا على الأمر تواصل رفسنجاني العلني بالسيد السيستاني (المرجع الشيعي المقيم في النجف)، إضافة الى ما يحكى عن بدء مشاوراته مع أعضاء مجلس الخبراء للبحث في إقامة قيادة جماعية تحلّ محلّ المرشد، خلصنا الى أننا أمام لحظة تاريخية قد تعدّل ممارسة سلطة ولاية الفقيه بوصفها "مُلك فرد"، أو على الأقل تجعل الرفض العلني لها أقل صعوبة داخل إيران وخارجها.


- العنصر الرابع، أن مراكز نفوذ داخل المعسكر المحسوب على المرشد صارت متردّدة في السير خلفه تغطيةً لنجاد. ولعل الأخبار عن إقالة عدد من قادة الحرس الثوري الرافضين قمع المتظاهرين، أو عن مواقف رئيس البرلمان علي لاريجاني الداعية للتحقيق في ملابسات فتح النار على المواطنين، أو حتى عن تصريحات المرشح المحافظ حسن رضائي التي تشير الى تلاعب في الأرقام والنتائج (تعرّض هو نفسه له)، تؤشّر جميعها الى حال من الارتباك رغم الاختباء خلف مظاهر القوة البوليسية والقمعية الكلاسيكية في كل أنظمة الاستبداد.

- العنصر الخامس، أن "البازار" وهو تاريخياً فاعل أساسي في التحوّلات السياسية قد ضاق ذرعاً من نجاد وشعبويّته، ومن تداعيات سياساته الخارجية العازلة إيران اقتصادياً وتجارياً عن معظم العالم الغربي، قد يتحرّك دعماً للإصلاحيين (وعلاقة أركانه برفسنجاني شهيرة)، وسنرى اليوم وفي الأيام القادمة حجم تجاوبه مع الدعوات الى الحداد والإضراب العام، وفي ذلك ما قد يكون مؤشراً الى أخذ الأمور طابعاً تصعيدياً أو تسووياً ليس سهلاً تقدير مؤدّياتها (في الحالين).
- العنصر السادس، أن إيران في مشهدّيتها الراهنة حيث يرفع شبّان وشابات أصواتهم وآمالهم حاملين اللون الأخضر والرغبة في الحرية، وفي عبور هؤلاء عبر "العولمة" والتكنولوجيا أسوار الحصار المفروض على الإعلام التقليدي من قبل سلطات الباسيج السوداء، واستخدامهم "التويتر" واليوتيوب والفايس بوك والهواتف المحمولة وكاميراتها، تتصالح مع الكثير من الشعوب والمجتمعات، التي لجهل أو تعصّب أو عنصرية أو خوف، لطالما اعتبرتها بملايينها السبعين، على صورة الحرس الثوري وعلى صورة الميليشيات التي صدّرها الحرس الى دول قريبة أو بعيدة.

إيران هي اليوم إذن على مفترق طرق. قد تنتصر انتفاضة ناسها، وقد تُهزم مؤقتّاً. لكنها في الحالين، تذكّرنا أن الإيديولوجيات جميعها، إن نادت بجنّة الأرض أو بجنّة السماء، لا تعوّض غياب الحرية ولا تُغني عن هوائها وعن الانتصار لها، كاملة أو على "جرعات"...
زياد ماجد

Wednesday, June 17, 2009

باحثون وصحافيون أسقطهم سقوط حزب الله

يحاول بعض الصحافيين والباحثين السياسيين الفرنسيين والأميركيين، كما بعض اللبنانيين المقيمين في عواصم غربية، ممّن جزموا بفوز حزب الله وسائر قوى 8 آذار في الانتخابات النيابية (نتيجة الدراسات الإحصائية المخادعة من جهة، ونتيجة تمنّيهم ذلك وتحويلهم التمنّي الى نظريّات واستشارات من جهة ثانية)، يحاولون التعويض على فشلهم الانتخابي وعلى تهافت الآراء التي قدّموها في تقارير ومقالات كتبوها، عبر التساؤل عمّا إذا كان حزب الله قد أراد فعلاً الفوز في الانتخابات!
على أن تساؤلهم، وبعيداً عن خفّته الشبيهة بخفّة توقّعاتهم الخائبة (ويكفي التدقيق في الأرقام القياسية للمشاركة الشيعية في مختلف الدوائر، لا سيما تلك المختلطة والساخنة، لمعرفة مدى استنفار حزب الله وتعبئته القصوى بهدف الفوز الصريح بالانتخابات)، يسلّط الضوء على قضيّتين يفيد التوقّف عندهما.

- القضية الأولى، مرتبطة بثقافة إستشراقية يتشارك فيها بعض "اليسارويين" الغربيين (ممّن يصفّقون لأي تجمّع أو قوة في العالم تشتم الولايات المتحدة أو تهجوها) وبعض مواطنيهم اليمينيين (ممّن يريدون التأكيد عند كل استحقاق انتخابي في بلادنا أن مجتمعاتنا لا تختار إلا العنف والتطرّف وأنها ثقافياً غير مهيّأة للانخراط في مسارات ديمقراطية تتيح للمواطنية أن تترسّخ). هؤلاء جميعاً لا يريدون لنموذج لبناني أن يتطوّر، ويصدمهم أن ينتخب مئات ألوف النساء والرجال لوائح تُنشد سياسياً الاستقلال والهدوء والانفتاح والتنوع، ولو لأسباب مختلفة.
- القضية الثانية متأتّية من سطحيّة معرفة قسم من الصحافيين والباحثين اللبنانيين بالمجتمع اللبناني رغم كل ادّعاءاتهم، نتيجة الغربة عن الشارع ونتيجة السعي الدائم الى إسقاط نظريات وتهيّؤات على الواقع بعيداً عن عناصره وعن حيويّاته. لذلك، ولأن لديهم تصنيفات مسبقة وتعميمات تنسجها الحملات الإعلامية والرغبات، تفاجأوا بحجم المشاركة السنية الداعمة لقوى 14 آذار، وتفاجأوا بأن دوائر مسيحية كالأشرفية والكورة والبترون وبشري لا يفسّر النجاح ال14 آذاري فيها تصويت المحافظة الذي حصدها عام 2005. كما لم يفهموا مؤدّى الرفض اللبناني المتزايد لفكرة السلاح خارج الدولة، ولمنظومة اللاإستقرار تحت شعار المقاومة. هذا ناهيك عن استسلامهم الكسول لتبنّي مقولات حول دور المال والمغتربين والحشد المذهبي بوصفها عناصر حصرية استخدمتها قوى 14 آذار، في حين أن أي متعاط جاد في الشأنين السياسي والانتخابي يدرك أن حزب الله ليس أقل إنفاقاً من تيار المستقبل، وأن التيار العوني والطاشناق ليسا أقل استقداماً للمغتربين من القوات أو الكتائب، وأن التخوين والتهديد وتمجيد العنف المذهبي والاستباحة لا يمكن إلا أن تولّد تعبئة وتشنجاً مذهبياً مضاداً...
في أي حال، لم يتفوّق على الباحثين والصحافيين المذكورين انزعاجاً من نتائج الانتخابات الأخيرة، سوى النظام السوري الذي كان يريد العودة الرمزية من خلال الحلفاء المنتصرين، والحكومة الإسرائيلية ومستشاريها الذين كانوا يمنّون النفس بمجابهة كل ضغط عليهم في الشأن الفلسطيني، عبر القول إن إيران أحمدي نجاد صارت على حدودهم الشمالية، وإن الأولوية تبدأ بإزالة خطرها...
المهم الآن، وبمعزل عن هؤلاء مجتمعين، بدء الحوار الهادئ والمعمّق في لبنان، وتشكيل الحكومة القادرة على التصدي للتحدّيات الداخلية والخارجية ولو بالحدّ الأدنى من التماسك والتعقّل. علّ في ذلك ما يحصّن الاستقرار ويزيد المُحبطين من ميل اللبنانيين الى الحرية والعدالة والسلام إحباطاً...
زياد ماجد

Saturday, June 13, 2009

بعضٌ من خلاصات السابع من حزيران

شكّل 7 حزيران 2009 منعطفاً سياسياً هاماً في لبنان. فنتائج هذا اليوم المشهود (المميّزة لبنان الى حد بعيد عن محيطه) أسقطت مجموعة مقولات سادت طويلاً في السنوات الماضية:
- مقولة أن الأكثرية وهمية وأنها عابرة ومزيّفة لأن التحالف الرباعي وقانون الانتخاب السابق أمّناها، وبالتالي أن لا مقتضى سياسياً لوجودها في الحكم أو لمحاولتها إدارته.
فهذه الأكثرية عادت بتفويض انتخابي كبير، ولم يعد ممكناً التشكيك بمشروعيّتها.
- مقولة أن حزب الله لا يخيف أكثرية اللبنانيين، وأن تحالفاته الإقليمية وثقافته السياسية مقبولة من المواطنين الذين ينظرون الى تاريخ 7 أيار بوصفه حدثاً عابراً لا يستدعي كثيراً من الكلام ومن التضامن للردّ عليه "ديمقراطياً". واستطراداً، مقولة أن سلاح الحزب عنصر طمأنة للبنانيين يحميهم من إسرائيل.
فقد بيّنت الانتخابات أن الموقف من سلاح حزب الله والخوف من ثقافة الأخير وتسلّطه وممارساته المصنّفة الناس والمهدّدة المختلف معه، هما أبرز العناصر التي حرّكت معظم الناخبين وفرزتهم في العديد من المناطق بين أكثرية وأقلية.
- مقولة أن اللبنانيين بأكثريّتهم لم يعودوا معنيّين بما يجري، وصاروا أقرب الى العزوف عن خوض الشأن العام غير آبهين بالمشروعين المتصادمين في البلاد: مشروع الاستقرار، ومشروع الارتباط العضوي بالتحالف (الحالي) الإيراني السوري.
ذلك أن مستوى المشاركة في مختلف الدوائر كان الأعلى في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان، نتيجة استشعار أكثرية الناس بأهمية هذه الانتخابات، وميل العديد منهم الى التصويت ضد مشروع حزب الله وضد تأمين الغطاء لهذا المشروع، ولو عبر الاقتراع لمرشّحين غير "مقنعين" لناخبيهم في بعض الحالات.
في الوقت عينه، كرّس 7 حزيران واقعاً لبنانياً معقّداً يقوم (رغم أن الخلافات الرئيسية فيه سياسية حول شكل ارتباط لبنان بصراعات المنطقة، وأن حجم كل طرف داخل المؤسسات يتعلّق بمنع نقل لبنان الى هذا الشكل من الارتباط أو ذاك) على الاستقطابات الطائفية والمذهبية الحادة. وهي استقطابات تنذر بأزمات متكرّرة استنفد النظام الطائفي قدرته على إدارتها أو إيجاد آليات الحل المستديم لها. وصار جلّ ما يتمنّاه الناس هو حصول اتفاقات إقليمية تمنع الأزمات من الانفجار حروباً أهلية وصراعات.

 ماذا يمكن أن نستنتج من كل ذلك؟
في المدى القصير:
- أننا مقبلون على مرحلة من التفاوض الصعب لتشكيل حكومة جديدة. على أنه تفاوض يدخل إليه تحالف 14 آذار من موقع قوّة يُفترض أن يحول دون إلزامية منح الأقلية الثلث المعطّل، ولو دون استبعادها عن المشاركة في السلطة التنفيذية.
- أننا قد نشهد هامش مناورة أوسع لرئيس الجمهورية رغم فشل بعض المرشحين المحسوبين عليه، نتيجة رغبة بعض القوى في المعسكرين بإتاحة الفرصة أمامه للعب دور تحكيمي أو ترجيحي يقلّص التوتّرات ويبحث عن التسويات والمخارج في لحظة الخلافات الحادة. 
على أن المدى القصير الذي يتمناه أكثر اللبنانيين منطلقاً لتثبيت الاستقرار، يجب أن يترافق مع عمل للمدى البعيد يحصّن إنجاز 7 حزيران من خلال البحث في إصلاحات جدية للنظام السياسي، تجعل الحكم قادراً على استيعاب الأزمات وحلّها، وتخفّف من قدرة الخارج على التأثير في مجريات السياسة الداخلية واصطفافاتها. ولا غنى برأينا لذلك عن الخوض في:
أ- اعتماد قانون انتخاب جديد يقوم على التمثيل النسبي، يتيح عدالة أكبر في التمثيل، ويُضعف قدرة طرف أو طرفين ضمن كل طائفة على الاستئثار الكامل بالتمثيل السياسي للطائفة.
ب- بحث جدي حول موقع لبنان في المنطقة وسبل تحييده عن الانخراط في ما لا يعنيه من صراعاتها وصفقاتها.
ج- بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها والتحاور حول أحادية ملكيّتها السلاح والحق في استخدامه دفاعاً عن البلاد.
د- تطوير نظام "الديمقراطية التوافقية" بحيث يضمن مشاركة الجماعات الأهلية (وغيرها) في اتخاذ القرارات المصيرية، من دون الوصول عند كل خلاف الى شلل مؤسساتي بحجة حق الفيتو الطائفي. وهذا يتطلّب إنشاء مجلس شيوخ تُناط به القضايا الكبرى، مقابل تحرير المجلس النيابي من قيده الطائفي وجعله فاعلاً في التشريع والمراقبة وتكريس مبدأ تخطي الطائفية.
ختاماً، قد يبدو في هذا الكلام أمل في غير محله. لكن بعض التدقيق في واقع اليوم يظهر أن التخبط السياسي والطائفي الذي نشهده منذ سنوات (وشهدناه في فترات سابقة) سيستمر إن لم نعمد الى البحث الجدي في سبل تخطّيه وليس فقط "ترقيعه". وإن كان شرط ذلك ومدخله الضروري هو الاستقرار، فقد كان 7 حزيران انتصاراً لهذا الشرط وتفويضاً للعمل بمقتضاه. ولا بد من الاستفادة من ذلك، ولو بالحد الأدنى...
زياد ماجد

Monday, June 1, 2009

عن سمير قصير وإليه

في مثل هذا اليوم من أربع سنوات، سقط سمير قصير مضرّجاً بدمه وبأحلامه.
لم يكن اغتياله جريمة أصابت مؤرّخاً وأستاذاً جامعياً وصحافياً وصديقاً ورفيقاً فحسب. كان أيضاً محاولة تصفية لما مثّله من قيم انفتاح ونزاهة والتزام ثقافي وسياسي، وكان عقاباً على ما عبّرت عنه سيرته من شجاعة وإقدام وجدّية وطموح، وكان سعياً لإعدام احتمالات أراد التمركز على خطوط تقاطعها: احتمالات بناء ديمقراطية وتأسيس نهضة وإحياء عقلانية لا تخشى الأسئلة والمسّ بما يخاله البعض مسَلّمات.
وفي مثل هذا اليوم من أربع سنوات، مات شيء فينا. شيء يصعب تعريفه. ربما هو العلاقة بالسياسة كما أردناها: منطلقاً نبيلاً لجمع الناس حول انتماء الى مشروع، الى رؤيا، الى وطن يعتزّ ابناؤه بالعيش فيه بحرية، نابذين كل عنصرية أو شوفينية دافعة الى الانعزال. وربما هو العلاقة بالمدينة: ببيروت الواقعة على حدود البحر، على تخوم أمواجه التي لا تهدأ في سفرها بين ضفّة وأخرى، بين مرفأ وآخر، وبين فكرة وخاطرة. أو ربما هو العلاقة بالصداقة: بذلك الرابط الذي ينسى المرؤ قوّته في لحظات تغلّب "النضال" وأولويّته على الضحك والسمر، وفي أوان تحوّل المظاهرات والاجتماعات والصخب ودخان السجائر المحترقة على وقع النقاش الى إدمان يزيح من دربه متعة السير على كورنيش والثرثرة في مقهى أو الجلوس بصمت وبكسل ممتع في مكان لا تحيط به هواجس الغد ولا مشاكل الحاضر.
وفي مثل هذا اليوم من أربع سنوات، صرع الاستبداد نوراً كانت أشعّته تتسلّل كلمةً كلمة، واحتمالاً احتمالاً الى مواضع أغلق العسس المنافذ إليها، أو سدّ المحتلّون أبوابها: الى دمشق والقدس اللتين انتمى إليهما سمير، فاكتمل بحبّهما انتماؤه الى بيروت رئة يتنفس بها كل محروم من الهواء في مدن القهر والظلام المحيطة بها....


لكن هذا اليوم من أربع سنوات، أعطى رغم كل ما سلب، ورغم بشاعة المجزرة التي شهدها والتي أصابت شخص سمير وجهده وأيّامه وآماله وإنجازاته وإخفاقاته وحبّه وابتساماته، أعطى رغبة بالتحدّي وبالدفاع عن إرث غنيّ تركه ابن الخمسة وأربعين ربيعاً: إرث التمسّك بالحرية، بالعدالة، بالعقل، بالنقد، وبعشق بيروت مدينة للأحلام ولو ناقصة، وعاصمة "للبنان الديمقراطي المستقل والمستقر" الداعم ثقافياً لكل قضايا التحرّر في محيطه: التحرّر من الاستبداد في سوريا، ومن الاحتلال في فلسطين، ومن الظلامية في كامل المنطقة العربية.
واليوم، في هذه الذكرى، وعشية انتخابات هي الثانية منذ انتفاضة الاستقلال التي مات في خضمّها سمير، ورغم الملاحظات والانتقادات على التشكيل الرديء للوائح وعلى الخطاب المتهتّك ومفرداته الفقيرة وعلى غياب البرامج وعلى بهتان الثقافة السياسية الناظمة للعملية الانتخابية وسوء القوانين المعتمدة فيها، فإن هزيمة المعسكر المتبنّي كل ما ناضل ضدّه سمير، "معسكر 7 أيار"، تُبقي الأمل في أن الحلم الذي احتضر في 2 حزيران 2005 ما زال يصارع متمسّكاً بالحياة، مفتّشاً عن عبق جديد وعن هدوء يتيح له القيامة يوماً ما، في 2 حزيران، أو في 14 آذار، بعد عام، عامين، أو أكثر...
زياد ماجد