Tuesday, April 28, 2009

أربع سنوات... أمام الامتحان


إنتهت منذ أربع سنوات حقبة الهيمنة السورية على لبنان
إنسحب جيش النظام البعثي في 26 نيسان 2005 تحت ضغط الشارع اللبناني ومئات ألوف المحتشدين فيه عقب اغتيال الرئيس الحريري، وتحت ضغط دولي بدأ بصدور القرار 1559 وتتابع من خلال مواقف معظم الدول الغربية والعديد من الدول العربية والإسلامية المطالبة بالانسحاب أو الناصحة بإتمامه. 
على أن الانسحاب انتهى أيضاً وسط انقسام سياسي وأهلي لبناني، اختصره مشهدا 8 و14 آذار، المعبّران عن اصطفافين متقابلين لا يكتفيان بالتصادم تجاه الموقع من النظام السوري ومن دوره في لبنان، بل وتجاه حجم تأثير كل منهما وما يمثّل طوائفياً داخل مؤسسات الحكم اللبناني نفسه.
بهذا المعنى، شكّل 8 آذار رسالة حزب إلهية مفادها أن الحزب المتحالف مع النظام السوري، والممثّل أكثرية شيعية سيسعى الى لعب دور هذا النظام لبنانياً بعد انكفائه، وسيعمد الى إدارة السياسة الداخلية للدولة على نحو يحمي سياسته الخارجية وارتباطاتها. فيما شكّل 14 آذار رداً على الرسالة المذكورة في شقّيها الخارجي والداخلي، وعبّر بأكثرياته السنية والمسيحية والدرزية (والعلمانية) عن رفض للتحالف مع "سوريا الأسد" والتحوّل أداة لاستراتيجيتها، ورفض لتفويض حزب الله لعب دور داخلي يشبه دورها الآفل.
وهكذا، صار الانقسام منطلقاً لصراع على الأحجام في سلطة ما بعد الانسحاب السوري، وعلى الموقف من المحاور في المنطقة، وعلى الحق في ملكية السلاح خارج "الدولة" واستخدامه. وصارت "الديمقراطية التوافقية" اللبنانية المستندة الى نظام انتخاب مشوَّه عاجزة عن إدارة الأزمات داخل المؤسسات وعاجزة عن استيعاب تداعيات قرار ممثلي طائفة كبرى مقاطعة هذه المؤسسات لإسقاط النصاب والمشروعية عنها.
ثم أخذ شكل الانقسام الأهلي يتعدّل، إذ انضمّ ممثل أكثرية مسيحية راجحة الى المعسكر الشيعي، منقلباً على شعاراته ومواقفه السابقة. كما انتقل النظام السوري من مرحلة استيعاب الصدمة وتوجيه بعض الضربات الانتقامية والتحذيرية الى مرحلة الهجوم المضاد الشامل متكئاً الى الانقسام اللبناني من جهة والى ما خلّفه وراءه مخابراتياً في بلد تحكّم به على مدى ثلاثة عقود من جهة ثانية، بهدف العودة السياسية والتحضير للتحكّم المباشر "بالملف" اللبناني وتوظيفه في بازارات المنطقة.
وطبعاً، شكّلت محاولات تبرئته من الاغتيالات (في تصريحات حزب الله والجنرال عون)، كما شكّل تعطيل الحياة السياسية والشغب وقطع الطرقات وصولاً الى أحداث 7 أيار واجتياح بيروت غطاءً كاملاً له ولهجومه المضاد المذكور.
في مواجهة كل ذلك، تماسكت قوى 14 آذار على مدى الأعوام الأربعة الماضية، وضحّت وتعرّضت للضربات، وتخطّت عدة استحقاقات صعبة، لكنها لم تتمكّن من انتزاع المبادرة أو من إضعاف الخصم شعبياً وسياسياً لأسباب عديدة، منها تركيبتها الطائفية، ومنها تقليدية إدارتها للسياسة والمؤسسات المستندة الى منطق المحاصصة والزبائنية، ومنها أيضاً عجزها عن صوغ برنامج جدي لبناء الدولة، ومنها كذلك ارتباكها تجاه أي تبدّل في العلاقات الدولية أو في التجاذبات والمواجهات الإقليمية (من حرب تموز الى مصالحات ما بعد حرب غزة).
واليوم، وعشية حصاد زرع السنوات الأربع الماضية، تظهر 14 آذار رغم الالتفاف الشعبي حولها ورغم صمود قسم كبير من اللبنانيين وتحمّلهم الأعباء دفاعاً عن خطّها، بمظهر منفّر مخلّعة أبوابه، بحيث تبتلع قواها الكبيرة – الأهلية بتكوينها – مكوّناتها الصغرى، الأقرب الى التمثيل المدني والعلماني والى التعبير عن هواجس المواطنين الأفراد غير المتعاقدين مع سواهم على أساس رابطة المذهب أو القربى العائلية، مُفقدة نفسها البُعد الاستقلالي الذي حماها، ومحوّلة لوائحها في الكثير من الدوائر الى تكتّلات انتخابية يبدو الهاجس التجميعي فيها مهيمناً على حساب الهاجس السياسي، عوض أن يكونا متلازمين بهدف التمثيل والفوز في آن واحد (كما يفترض بالمسلك الانتخابي أن يكون)...
مع ذلك، لا بد من القول – اليوم تحديداً - إن مقداراً من الاستقلال والاستقرار مع قوى أهلية وتقليدية يتيح العمل الإصلاحي ويسمح ببناء الأفق التغييري (ولو في مواجهتها)، في حين أن الضوضاء وقرقعة السلاح وخطابات التخوين والتصنيف (ومع قوى أهلية، ودينية أيضاً) لا تتيح غير المزيد من الانقسام والتشرذم وغير الإيغال في هتك عرى المجتمع ونهش ما تبقى من دولة تديره...
زياد ماجد

Tuesday, April 21, 2009

خطاب يحترف التناقضات

قد يُقال إن معظم القوى السياسية في لبنان تقدّم مواقف وخطابات متناقضة، وتُضطر بين الحين والآخر، بفعل عوامل داخلية أو خارجية، الى تغيير بعض المواقف والمصطلحات أو التراجع عن بعض ما تمسّكت به في مراحل سابقة. وهذا صحيح.
وقد يقال أيضاً إن المكوّنات الأهلية للطبقة السياسية اللبنانية في معسكريها الراهنين أقوى من المكوّنات المدنية، وإن خطابها التبسيطي هو الطاغي وهو القادر على استثارة العصبيات والاستنفارات. وهذا أيضاً صحيح، وهو بدأ يتجلّى في التحضير للانتخابات من خلال إفراغها في الكثير من الدوائر من البعد السياسي أو المواطني للتنافس الذي كان يُفترض أن تقوم عليه.
على أن ما هو صحيح أيضاً، هو تفوّق حزب الله على سائر مكوّنات الطبقة السياسية في قدرته على تقديم كمّ من التناقضات يكاد لا يمضي شهر دون الوقوف على أمثلة تجسّده. وهو إذ يتخبّط في تناقضاته الواحد تلو الآخر، يعوّض عن ذلك بعنف لفظي يعطفه على الهالة الدينية وعلى الشعارات الجهادية وعلى الصرامة التنظيمية والأمنية والعسكرية لإضفاء صبغة تماسك على أدائه وأدبياته.

 ولعل استعراض أمثلة من الأشهر الماضية يوضح ما نذهب إليه.
- فبعد أن ركّز الحزب حملته خلال اعتصامه الشهير في وسط العاصمة على الأكثرية "الوهمية" داعياً الى انتخابات مبكّرة تثبت من هي الأكثرية "الفعلية" فتحكم الأخيرة فيما تعارض الأقلية، ها هو اليوم يتحدّث عن إلزامية المشاركة في الحكم وإلزامية الثلث "الضامن" فيه بمعزل عن الفائز أو الخاسر. وبعد أن كان الحزب يشير الى "مفصليّة" هذه الانتخابات ونحوها لتحديد موقف أغلبية اللبنانيين من المقاومة أو "العمالة"، صارت تصريحات مسؤوليه تتحدّث اليوم عن انتخابات عادية وتستنكر على من يعتبرها مصيرية أو استثنائية سعيه التعبوي.
- ولم يفوّت الحزب مناسبة في السنتين الفائتتين دون الإشارة الى ارتهان الأكثرية للمشروع الأميركي ولكونها أداة لهذا المشروع تلتقي موضوعياً مع إسرائيل. ثم انقلب بعد فترة على مؤدّيات اتهامه وراح يتحدث عن الشراكة وعن الوطن الذي لا يُبنى بالاستثناء (قابلاً مشاركة الأدوات والمرتهنين بالحكم، ومتحدّثاً عن بناء الدولة معهم). وإذا به منذ أيام، يعود ليردّد أن "الشركاء" المفترضين مستقبلاً في الحكم والوطن والعيش الكريم هم "إما عملاء وإما أغبياء" وأن لبنان لا يحتاج "لا لأغبياء ولا لعملاء".
- ويكرّر الحزب رداً على القائلين له بإن الدولة وحدها مسؤولة عن الوطن وعن امتلاك السلاح للذود عنه: "ليش أنتو دولة؟ أعطُنا دولة وتعالوا بعد ذلك طالبونا بالسلاح!" هكذا، تصبح المشكلة أن السلاح "المقاوم" موجود لأن الدولة ضعيفة. أما أن السلاح سبب من أسباب ضعف الدولة، وأن قرار استخدامه في الداخل وفي الخارج والبنية التحتية الحاضنة له كما العلاقات الإقليمية المؤمّنة مدده والمحدّدة أوان اللجوء إليه عقبات أمام قيام أي دولة، ولو بالحد الأدنى، فالمسألة فيها نظر!
- ولطالما تباهى قادة حزب الله بأنهم يقاتلون باسم الأمّة (غير المحدّدة هويّتها وجغرافيتها وحيثياتها، وحتى لو زُعم أن المفردة مردودة الى معناها الديني، فالاجتهادات حول المعنى تطول وتتعدّد). لكنهم بعد "الصدام" الأخير مع مصر (وهي بالمناسبة من أكبر دول "الأمة") وتوقيف أحد أخوانهم في الأرض المصرية، راحوا يعودون الى الوطنية، والى الحزب اللبناني "المتواضع" على ما قال السيد نصر الله. يعودون بالتالي الى هوية ترابية "ضيقة" يصعب معها وبها تبرير تدخّل في شؤون "الأمة" لا يقتصر على الكلمة والفكرة (وهما حق لا جدال فيه) بل يدعو لإرسال الصواريخ وبناء المنظومات الأمنية وشبكات تهريب السلاح دفاعاً عن قضية "الأمة" نفسها.
طبعاً كل ذلك لا ينسينا تعدّد روايات الحزب حول أسباب ملكيّته السلاح، وحول أسباب حرب تموز، وحول الاغتيالات واستنكار الاتهامات العشوائية فيها. وهذا غيض من فيض مسار طويل لم يهدأ صخبه ولم تتباطأ انفعلاته، ولو حاول الصراخ وسبّابات التهديد التعمية على هشاشته، في زمن لا قد لا يميّز المتوتّر فيه بين الهشاشة وسواها.
غير أن الأدهى اليوم هو أن ما يواجه حزب الله وركاكة مواقفه لم يعد يبدو أكثر من مشاريع بمجملها طائفية وأهلية مثله، ولو من دون سلاح وإيديولوجيا شمولية وادّعاء حقوق تخوين وتصنيف (وهذه أمور ليست تفصيليةً، وهي تكفي حالياً للاختيار)، أو فولكلورية باحثة عن عباءات دينية وعن مشروعيات عائلية آفلة لا تقوى على مواجهة الحزب ولا تملك في أعين جمهوره أو المتردّدين تجاهه أية مصداقية.
هي معضلة تبدو عصيّة على الحل إذن. وهي تكوينية ربما في بلد مثل لبنان. والبحث الوحيد الممكن صار في منعها من التحوّل منطلقاً لعنف جسدي يترجم الألفاظ العدوانية وخلفيتها الفكرية المشتتة والحبلى بالتناقضات الى أفعال في الشارع. ذلك أنه فقط في غياب العنف وفي تقلّص التوتر يمكن مواجهة الهشاشة والتناقضات والبحث في ما يتخطّاها لاحقاً، ويتخطّى شبيهاتها...
زياد ماجد

Tuesday, April 14, 2009

ذكرى 13 نيسان بين 7 أيار و7 حزيران

تحلّ ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية هذا العام، في لحظة تشهد فيها البلاد انقسامات حادة، وتتكرّر فيها الأحداث الأمنية، وآخرها الاعتداء الذي استهدف الجيش اللبناني على طريق تمنين التحتا في البقاع الشمالي.
وإن أردنا التوقّف عند أبرز ما تثيره الذكرى الرابعة والثلاثون للحرب المذكورة سياسياً، أمكننا ربما الإشارة الى أمرين.
- أوّلهما قديم يُستذكَر عاماً بعد عام، مرتبط بملفات الحرب التي لم تُقفل، من ملفّ المخطوفين الذين لا يمكن الطلب الى ذويهم الحداد عليهم من دون الكشف عن أماكن دفنهم وإقامة ضريح جماعي لهم يكون بمثابة الاعتذار الجماعي منهم، الى ملف المفقودين في السجون السورية المجهولة مصائرهم والمطلوب توضيحاً لها وتصرّفاً بموجب التوضيح، الى درس العفو الحقيقي المؤسّس للمسامحة ولكتابة التاريخ (بصيغه المتعدّدة وتأويلات أحداثه المتباينة) من دون خوف ومن دون عِقد.
- وثانيهما جديد تأسّس العام الماضي في 7 أيار، وهو فتح الباب على ما كنّا خلنا أنه وراءنا، وأعادنا بسرعة قياسية الى ذكريات الاقتتال والاجتياحات وقطع الطرقات وحرق المؤسسات.

ولعلّ خطورته مضاعفة لأنه جاء من قوى أساسية، خاضت الحرب وظلّت وحدها بعدها مدجّجة بالسلاح. وهي تقود اليوم معسكراً سياسياً يتقدّم للانتخابات النيابية القادمة ويتحدّث عن حكم البلاد أو المشاركة في إدارتها بثلث معطّل، قد لا تكون المؤسسات وحدها مسرحاً له، بل حتى الشوارع والأحياء، إن اقتضى الأمر. 
بهذا المعنى، تحلّ ذكرى 13 نيسان علينا هذا العام، لتعطف على المتراكم والمتجدّد سنويّاً، بُعداً جديداً يفتح ملفات كانت حتى الآن مطويّة، ويُنذر بجعل الذكريات المباشرة أو المتناقلة والمتوارثة حيّةً، تقع في متناول العين والأذن واللسان واليدين، يغطّيها الإعلام بوصفها أحداثاً راهنة، لا بحثاً في الأرشيف أو تحقيقات وثائقية عن حقبة غابرة.
وبهذا المعنى أيضاً، تصبح ذكرى 13 نيسان عام 2009، منطلقاً للدعوة الصريحة للّبنانيين للاختيار بين من يريد للذكرى أن تبقى ذكرى، وبين من يريد إحياءها واستعادة تفاصيلها وعيش هواجسها وجعلها احتمالاً دائماً يهدّد به الناس ربطاً بإيقاع صراعات الخارج وتسوياته، أو بحثاً عن تعديل الأحجام في الداخل ومؤسساته.
و7 حزيران المقبل، سيكون الموعد الأول لهذا الاختيار...
زياد ماجد

Tuesday, April 7, 2009

في العونية السياسية

تثير العونية الفضول على مستويين: مستوى الخطاب الذي تحمله والذي يعبّر عنه الجنرال ميشال عون في معظم إطلالاته، ومستوى المزاج السياسي والاجتماعي المتلقّي لهذا الخطاب والموالي له أو لما يهدف إليه.
ويمكن أن نضيف مستوىً ثالثاً الى هذا الفضول يرتبط بالعلاقة التراتبية بين المستويين الأوّلين المذكورين، أي هل يسبق الخطاب العوني المزاج وبالتالي يؤدي (في ما يؤدي إليه) الى تشكيله، أو هو يلحق به وبالتالي يسعى الى تمثيله وتحويل مضامينه الى مفردات ومواقف "سياسية"؟

لنعد الى المستويين الأول والثاني، فلعلّ استطلاعهما يجعل الإجابة على الثالث ممكنة.

في معنى العونية
لطالما ساد انطباع أن العونية تكوّنت انطلاقاً ممّا رمزت إليه في أواخر الثمانينات من تمسّك بفكرة الدولة القوية المحميّة من المؤسسة العسكرية في مواجهة الميليشيات، وفي مواجهة الهيمنة السورية. وأنها بهذا المعنى عبّرت عن توق أكثرية مسيحية للتخلص من عبء أمراء القتال الأهلي، ومن ثقل الاحتلال الخارجي.
ثم نُظر الى العونية بعد اتفاق الطائف، بوصفها قوة شبابية وطلابية رافضة للتطبيع مع الأمر الواقع ومع الطبقة السياسية المتحالفة مع دمشق.
ثم قيل إنها غدت، بعد العام 2005 وخروج الجيش السوري وعودة عون الى بيروت، مركّب كراهيات يبغض القوات اللبنانية بوصفها ذاكرة حربية والحريريّة بوصفها سنّية سياسية (واقتصادية) مهيمنة والجنبلاطية بوصفها إقطاعاً مناوئاً. وأُضيف بعد "التفاهم" مع حزب الله عام 2006 أن طموح الجنرال الرئاسي والبحث عن تحالف "إبتزازي" في مواجهة الأكثرية البرلمانية صارا محرّكين أساسيين لها. 


لكن كل ذلك بقي، على صحّته التوصيفية، غير كافٍ لشرح ماهيّة العونية، على الأقل في سنواتها الأخيرة.
فالعونية صارت تعبّر عن مفارقة كبرى موجودة في السياسة والاجتماع المسيحيين في لبنان: نوستالجيا للقيادة "الفاضلة" (القوية) للبلاد معطوفةً على سلوك أقلّوي (ضعيف) يبحث عن تحالفات. أي أنها حنين الى ماضٍ سابق للحرب وتصرّف خطابيّ على أساسه، يترافق مع تعاطٍ أقلّوي لاحق للحرب يرى في الالتصاق بأقلية أخرى، ثم القفز خلف الحدود لملاقاة أقليات في المنطقة، حزام نجاة داخلي – خارجي يلجأ إليه لمواجهة أكثرية (داخلية – خارجية بدورها) يتّهمها بالمسؤولية عن تهميشه وعن إفقاده دوره القيادي.
ولعل الخطاب العوني يظهّر هذه المفارقة على نحو جليّ. فإلى اعتماده شعارات بناء الدولة ومحاربة الفساد والإقطاع وكَيله الاتهامات بالعمالة وبالمسؤولية عن الديون، وتهديده بمحاسبة الجميع وإطلاقه العنان للشتائم والتشبيهات السوقية لإظهار بأس وقوة تمثيل واستقلالية تحرّك عواطف المفتّشين عن "المجد الضائع"، يرسم الخطاب نفسه خريطة للبنان يتراجع فيها الالتصاق التاريخي بالحدود الجغرافية بوصفها حدوداً كيانية اعتبرها الساسة المسيحيون على الدوام صمّام أمان لوجودهم ولدورهم. ويتقدّم مقابل ذلك طرح يحاول تبرير نفسه "بالمشرقيّة" لتغطية اندفاعه خلف الحدود بحثاً في تحالفاته الأقلوية الناشئة.

... بعض المزاج الشعبي هو ما حماها
لذلك ربما، ولأن العونية امتَحنت في أكثر من مناسبة نجاحاً في التعبير عن بعض المزاج المسيحي هذا، لم تعد تبالي كثيراً إن هجت الفساد وهي قابعة في أحضان أبرز المرتبطين به، وإن قارعت الإقطاع متحالفة مع رموز تاريخيين له، وإن هاجمت الميليشيات وحليفها الأساسي يملك الميليشيا الوحيدة المستمرة في البلاد، وإن دعت لقيام الدولة القوية وهي منتمية الى معسكر يمنع عن الدولة هذه قرارات الحرب والسلم ويقيم على أرضها أجهزته الخاصة، وإن ادّعت التقدّمية والعصرنة والعلمنة في وقت تُزايد طائفياً وادّعاءَ حمايةٍ لحقوق المسيحيين، وإن اتّهمت خصومها بالتفريط بالسيادة في لحظة تحالفها مع من أمعن انتهاكاً للسيادة طيلة عقود، وإن هاجمت ضحايا الاغتيالات السياسية وهي تجاهر باتصالها مع المتّهمين بقتلهم...

هل هذا يعني أن العونية صارت مزاجاً مسيحياً سائداً؟
طبعاً لا. وهنا ربما تمكن الإجابة على سؤال المقدمة حول التراتبية بين خطابها وبين المزاج المتلقّي له. فالعلاقة جدلية تجمعهما ويتغذّى كل منهما بالآخر. وهي مؤقتة ومرتبطة بجملة ملابسات تأسّست في المنتصف الثاني من الثمانينات وتكرّست في حقبة التسعينات حين شهدت النخبة السياسية اللبنانية تغييراً هائلاً في توازناتها وتركيبتها، ولم تعدّل أحداث العام 2005، على خطورتها، كثيراً من تداعيات ذاك التغيير، وأهم عناوينه ما اصطُلح على تسميته بالتهميش المسيحي.  
هكذا، التصقت العونية بجزء من مزاج لم يُفلح مخاصموه في الفترة الماضية في تفكيكه وإظهار تهافت منطقه، ولأسباب ذلك بحث آخر. وصار الرهان الأساسي هو على تراكم الأخطاء والهفوات من داخل الخطاب العوني نفسه (في لحظات انفعال يمكن نسبها الى علم النفس أكثر منه الى علم الاجتماع أو السياسة)، لإضعاف العونية و"تعكير مزاجها" الشعبي على حد سواء.
على أن تفكيك العلاقة ممكن، وتعديل المزاج وجعله أقلّ تقبّلاً للخطاب أو صناعةً له ممكن أيضاً. وقد نكون اليوم على أعتاب امتحان كبير لهاتين الإمكانيتين... 
زياد ماجد

Wednesday, April 1, 2009

نحن وأوباما وإسرائيل

 تتوضّح منذ أسابيع مقاربات الإدارة الأميركية الجديدة لبعض ملفات السياسة الخارجية
فبعد إطلالات خجولة على الخارج نتيجة التركيز على الداخل وقضاياه المالية والاقتصادية والاجتماعية المأزومة التي سيحافظ بموجبها الرئيس الجديد على تألّقه أو يتراجع رصيده شعبياً (خاصة إن وقع في ارتباكات وتردّد طويلاً بين خيارات اليسار والوسط)، بدأت الإدارة الديمقراطية تبلور اتجاهاتها في التعاطي مع عدد من الملفات:
- ملف العلاقة مع روسيا والتباحث الهادئ في قضايا توسيع الناتو ونشر الدرع الصاروخية والتعاون للحد من الانتشار النووي،
- ملف أفغاتستان وباكستان واعتماد الشدة في الحرب فيهما على القاعدة والطالبان،
- ملف إقفال سجن غوانتانامو، والبحث الذي بدأ بالتزامن مع قرار إقفاله في احتمال الانضمام الى عدد من الاتفاقيات الدولية حول جرائم الحرب والمحكمة الجنائية،
- والأهم من حيث ارتباطه بالوعود الانتخابية، ملف العراق واتخاذ القرار بجدولة الانسحاب العسكري منه.
وفي هذه الملفات جميعاً، تطلّ السياسة الجديدة بإيديولوجيا أقل وباختلافات في النبرة والأسلوب والوسائل عما اعتُمد في الحقبة المنصرمة. وهي إذ تصل الى الملف الفلسطيني الاسرائيلي والى التشابك اللبناني السوري الايراني معه، يبدو اختلافها عن السياسات التي سبقتها أشدّ وضوحاً. وهذا ما تريد الأسطر التالية التوقف عنده. 

فعلى الصعيد اللبناني السوري الأيراني، تتحرّك مواقف الإدارة الجديدة على مسارات ثلاثة:
- خطّ إنهاء القطيعة مع دمشق على مراحل، ومن خلال "دفتر شروط" يتضمّن استمرار تعاونها الأمني في ملف "الإرهاب" عراقياً، وفكّ ارتباطها الحيوي بإيران وتخلّيها بالتالي عن لعب دور العرّاب لحركة حماس ولحزب الله أو الوسيط بينهما وبين إيران،
- خط التأكيد على دعم استقلال لبنان وتأييد المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وسائر الجرائم التي ارتبطت بها،
- خطّ الانفتاح على الإيرانيين (بعيداً عن تصنيفات محور الشر السابقة) المرفقة بمشروطية تعاونهم أفغانياً وعراقياً ولبنانياً وفلسطينياً، ووضعهم لمشروعهم النووي تحت الرقابة الدولية.
وبهذا المعنى، يحاول الأميركيون توجيه رسائل على خطّي التواصل الايجابي المقرون بشروط والضغط السياسي الهادف الى تحقيق نفس الشروط. فيأتي حوارهم مع دمشق متلازماً مع دعم المحكمة (وما يعنيه أمرها بالنسبة للنظام السوري ولطمأنة اللبنانيين)، ويأتي توجّههم الجديد نحو طهران مترافقاً مع محاولة تطويقها روسياً (عبر التفاوض مع موسكو حول التعاون النووي معها) وسورياً (من خلال السعي الى إبعاد دمشق عنها).
على أن عطف الملف الفلسطيني الاسرائيلي على هذه المسارات، وهنا ربما بيت القصيد، يقطع مع منطق الإدارة السابقة تماماً، ويعيد الاعتبار الى المقاربة الكلينتونية – وحتى الى تلك التي أرادها بوش الأب في النصف الثاني من عهده – ولو بحذر وبطء شديدين.
ذلك أن عودة الحديث عن ضرورة السلام في المنطقة على أساس الدولتين، وتعيين جورج ميتشل الواضح في مواقفه من الاستيطان مبعوثاً خاصاً، ومحاولة تعيين فريمان المعروف بانتقاداته لإسرائيل في وكالة المخابرات (رغم الفشل في تثبيته بعد الحملة العنيفة عليه)، والتواصل مع السلطة الوطنية الفلسطينية في تأكيد على الاعتراف بها (بعد سنوات من الميوعة في التعاطي معها والاستسلام للمنطق الاسرائيلي القائل "بغياب الشريك") جميعها إشارات حول نية في التعامل مع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بوصفه في قلب معضلات المنطقة، وبغير ربط لديناميات التفاوض حوله بالتوقيت والمشيئة الإسرائيليين.
هل تعني هذه الإشارات أن الانحياز الأميركي الى مواقف إسرائيل سيتبدّل جذرياً؟ على الأرجح لا. لكنه يعني أن التسليم لمنطق سياسيّيها وتعنّتهم الرافض لأي تفاهم مع الفلسطينيين لن يكون بديهياً. وهذا ما فهمه الإسرائيليون، وما بات يُقلق أكثر قادتهم.
ولعل مواقف نتانياهو - المباشرة وبالتلميح - تحاول امتصاص ذلك والرد عليه ببعض المصطلحات "الإيجابية" تجاه الفلسطينيين (لتغطية ما يرافقها من تسريع لوتيرة الاستيطان بين الضفة والقدس بغية جعل الواقع الميداني أكثر تعقيداً وصعوبة قبل أية مفاوضات مقبلة)، والتأكيد على أهمية السلام مع سوريا (باعتبار ولوج بابه سيخفّف احتمال الضغط على إسرائيل إن أُقفِل الباب الفلسطيني)، والسعي لتوريط أميركا في صدام مع إيران عبر تسريب أخبار عن تصميم إسرائيل، ولو وحيدة، على عدم السماح لها بالمزيد من التقدّم في برنامجها النووي، وبمعزل عن أي تفاوض.
في المقابل، تبرز أمام هكذا سيناريو الحاجة عربياً الى توسيع رقعة "عدم التفاهم" الأميركي الاسرائيلي المحتمل حول بعض القضايا المذكورة. وهذا يتطلّب جهوداً لجعل نتائج "عدم التفاهم" واقعاً لا يؤدّي الى الهروب الاميركي أو تجنّب الاستمرار في الجهد التفاوضي، بل على العكس، الى المزيد من التدخل والضغط والنشاط الديبلوماسي. وهنا يكمن ربما التحدّي الفعلي المطروح على الفلسطينيين والعرب.
فهل سيقوم الفلسطينيون ببناء سياسة واضحة في أهدافها وفي حدود مساوماتها ليفاوضوا (موحّدين بالحد الأدنى) على أساسها؟ وهل سيُطلق العرب دينامية ديبلوماسية وإعلامية تحاصر المنطق الاسرائيلي أميركياً وغربياً، وتعمّق التناقض بين تطرّفه وبين موجبات السلام "العادل" المبني على أساس القرارات الدولية؟ واستطراداً، هل سيحاول اللبنانيون الاستفادة من كل ذلك لتحصين وضعهم الداخلي بانتظار نتائج ما سيجري في المنطقة في السنوات القادمة؟
لا نريد التشاؤم، لكن الخشية الكبرى هي من الاستسلام للثنائيات السائدة حتى الآن في المنطقة، حيث منطق "التفاوض للتفاوض" (وما يقدّمه من تنازلات مجانية)، ونقيضه، أي منطق رفض فكرة التفاوض والإصرار على "إزالة الكيان الصهيوني من الوجود" (وما يوفّره للإسرائيليين من حجج – ولو مضحكة - تنعدم من بعدها حاجتهم لتبرير رفض اعترافهم الثابت بالحقوق الفلسطينية)، يتيحان غالباً للتناقضات الأميركية الاسرائيلية إن وُجدت أن تزول، ويعيدان الأمور كل فترة الى نقطة الصفر، وفي ظروف ووقائع على الأرض تكون قد اشتدّت سوءاً...
زياد ماجد